علم نفسمقالات نورا عبد الفتاح

إحنا لسه شوفنا حاجة ؟

من وجهة نظرى أنا وإن كانت خطأ أو قصورٱ أو خرفٱ ولكنى أعتقدها وإسمحوا لى أن أعتقدها، حيث لم نعد نعطِ بعضنا البعض الحرية فى الاعتقاد والرؤية منذ زمن طويل.

أزمة تفشى وباء يسببه فيروس كورونا الجديد وعلى الرغم من أننى لا أراها بالحجم الذى يدعيه الإعلام العالمى، إلا أنها أظهرت بوضوح جوانب عدة فى التفكير الإنسانى فى مصر وفى كل دول العالم.



أظهرت لنا بوضوح شديد مدى ضعف الإنسان وهلعه أمام فيروس لا يرى إلا بالميكروسكوب، ولا يسبب سوى أعراض برد، أعراض البرد وليس أكثر من ذلك وإن إشتدت عند نسب بسيطة من المصابين أو تسببت فى وفاة نسبة واحد بالمائة من المصابين.

وعلى الرغم من ذلك أقعد هذا الفيروس العالم كله فى بيته، أغلق المحال، أوقف النشاطات الرياضية، أغلق دور العرض، أوقف معظم النشاطات التجارية حول العالم، قلّص التجمعات العائلية وتجمعات الأصدقاء وكل التجمعات، منع حفلات الزفاف، شتت تلاميذ المدارس وطلبة الجامعات فى العالم كله، جعل الناس يلهثون خلف الأغذية والأدوية، يلهثون خلف البنوك لتجميع أموالهم، جعلهم يخشون الخروج من المنزل حتى لزيارة آبائهم، أو شراء متطلباتهم الضرورية، جعلهم يعيشون فى هلع ورعب ليلٱ ونهارٱ وتتفاوت الدرجات.


أليست هذه أمثلة على الوهن الإنسانى الشديد الذى يعانيه العالم أجمع دون إستثناء ؟
أليس هذا الإنسان الخائف هو الذى كرمه الله وميزه عن كل المخلوقات ؟

لقد ميزه الله ولكننا أفسدناه، جعلنا منه مخلوقٱ جبانٱ، هلوعٱ، مطلقٱ للشائعات، مستمتعٱ بإرهاب الآخرين، عاشقٱ لأخبار البؤس والنكد والظلام والموت والأوبئة والكوارث.

جعلنا منه مخلوقٱ أنانيٱ أول ما يهمه طعامه وشرابه وأمواله، مخلوقٱ ماديٱ لا ينمى إلا الجوانب المادية ولا تركيز على الجوانب الروحية على إطلاقها.

لا يرقى بروحه، لا ينهض بإنسانيته، لا يحسن سلوكه بما يتناسب مع ما ميزه به الله، لا يفكر فى الغير، لا يحسن التعبد، لا ينشر السلام.

أهم ما لديه هو المال وكأن الفقر قادم، وأهم ما يبحث عنه هو الطعام وكأن الجوع قادمٱ، وأكثر ما يخيفه أن يكون بعيدٱ عن المرض وكأنه الطاعون.

يضخم ما على هواه أن يضخمه مادام يخص صحته أو طعامه وشرابه ويقلل من شأن كل ما دون ذلك، حتى وإن كانت إنسانيته فى طمأنة غيره، إعطاء المحتاجين، مساعدة المتضررين أو حتى التقرب إلى الله الذى سينتفع منه وحده، ولكن لا مجال للروحانيات.

أوضح لنا هذا الفيروس كم الشماتة فى بلاد بعينها بسبب الديانة مثلٱ وكأن الله وكّلنا لحساب بعضنا البعض.
والشماتة فى بلاد بعينها بسبب ظلم حكوماتها، وكأن كل الذين أصيبوا فى شعوب هذه الحكومات ظالمون ومجرمون.
الشماتة فى بعض النجوم والفنانين العالمين وكأن هؤلاء الشامتون هم الملائكة وضامنون الجنة.

شماتة بعض الأناس العاديين فى مصابين عاديين لأنهم لم يلتزموا بالقواعد بصرامة أو لأنهم أنكروا حجم الضرر الذى قد يسببه الفيروس.

أوضح لنا الفيروس مدى الشر والإيذاء الذى نكنه تجاه كل مطمئن وكأننا نقول ( إشمعنا إنت مش قلقان وخايف زينا، إذٱ لازم نهريك إشاعات وأخبار سوداء حتى تجزع وتخاف) فتتساوى الرؤوس، فهيا نخلق الشائعات ونؤلف الأكاذيب وننشرها ونضخمها و( نحط التاتش بتاعنا ) حتى نجعل من الفيروس صاحب أعراض البرد هذا، مصدرٱ للرهبة والجزع وكأنه بركان نشط قريب وأكيد الإنفجار أو سرطان مثلٱ.

أوضح لنا كم الفراغ الفكرى والعقلى الذى جعل الوقت بالساعات والأيام والأسابيع تمر ونحن لا نترك الهواتف الذكية نسخر حينٱ ونندب أحيانٱ وننشر الأكاذيب أحيانٱ وأحيانٱ، وكأننا أقسمنا على عدم الإنتفاع بالمكث فى المنزل أبدٱ وأن الهواتف أهم ما يمكن أن يشغل أوقاتنا الفارغة الطويلة فى أوقات حظر التجوال العالمى.

أوضح لنا فشلنا فى فهم مبادئ تربوية أساسية جدٱ مثل إخفاء هذا الرعب والهلع الذى يسيطر على الآباء عن الأبناء لا سيما الأطفال ذوو الثلاث والأربع سنوات والأكبر أيضٱ.
فأنا لا أتصور كم الخوف والرعب الذى كان يفترض أن يصيبنى إن كان قد انتشر هذا الوباء فى طفولتى، ووجدت أبواى يخافان ويجزعان وأنا أستمد شعورى بالأمان كاملٱ منهما.
فلماذا نفعل ذلك بأطفالنا ؟

أظهر لنا الفيروس جشع التجار فى رفع الأسعار للسلع الأساسية والحيوية وليست الترفيهية أو الثانوية، يقابله إستمرار فى زيادة الشراء والاستهلاك ببذخ كبير على الرغم من علمهم بهذا الجشع.

هذا الفيروس على الرغم من أن أذاه محدودٱ بفضل الله حتى الآن، إلا أنه وضعنا أمام المرآة وأرانا حجم خَورنا وفاقتنا.

كيف كان يمكن إذٱ للأمور أن تسير إن كان الفيروس لا قدر الله يسبب الوفاة بنسبة تسعين بالمائة بدلٱ من واحد بالمائة ؟

أو يسبب العمى الكلى أو الشلل الكلى وليس أعراض برد من حمى وسعال ؟

وإن كنا بهذا الهزال والوهن فكيف نظلم ونفترى ونختلق المشكلات ونوقع بين الناس وننكر الحقوق ونمارس النميمة والبغى والعدوان بكل ثقة وتجبر ؟

من إذٱ الذى يتعسف ويتسلط ويمارس الشطط والطغيان والقهر إن كنا بهذا الفقر الداخلى والذل الكبير ؟

إن أسوء ما يستطيع أن يفعله هذا الفيروس هو قتل بعض أعداد قليلة، لا سيما فى مصر والدول العربية لارتفاع درجات الحرارة، وقد يعزل أغلب دول العالم عن بعضها فتصبح كل دولة تنتج لنفسها وتستهلك إنتاجها ( وشكرٱ على كدا ).
وبالطبع توقف الحج والعمرة وهذا أمر مؤسف للغاية.

لكن أن يؤدى الفيروس إلى وفاة نصف سكان الأرض ومثل هذا الحوار العجيب، فهو فى الغالب محض هراء.

ماذا سنفعل إذٱ يوم القيامة ؟؟؟ماذا سنفعل عندما يبعث الله كل المخلوقات من أيام سيدنا آدم، حفاة عراة وقد إقتربت الشمس إقترابٱ شديدٱ، يغمرهم العرق وتنشق السماء وتتحول حمراء وتُطوى كما تُطوى السجلات ويجتمع الشمس والقمر فى مشهد لم يحدث أبدٱ من قبل، وتتزلزل الجبال وتشتعل النيران فى البحار وتخرج الأرض أثقالها، وينفخ فى الصور فيموت كل الأحياء ثم بعد النفخة الثانية يبعثون ثانية ليبدأوا رحلة الحساب( إما إلى جنة وإما إلى نار ) ومعلوماتى أن أهل النار أضعاف أهل الجنة، كل هذا فى زمن طويل فيوم القيامة زمنيٱ طويل جدا، وسيمر دهرٱ.


أكتفى بهذا القدر من تخيل الصورة.
كيف سيكون حالنا ساعتها وسط هذه الأهوال إن كنا ضعاف لدرجة أننا نتحدث عن نهاية العالم والمجاعات بسبب فيروس الأنفلونزا هذا ؟

إهدوا يا جماعة تعبتوا نفسكوا وتعبتونا معاكوا
الرعب ده لا يقدم وقاية أو علاج ولا يؤخر مرض أو موت.

المصائب الحقيقية والأهوال الكبيرة سنراها يوم القيامة وليس الآن.
لنفكر فيها ونخافها ونستصغر كل ما دونها.



مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
error: يمنع النسخ من هذا الموقع