مقالات

مقال دقة أم تحذلق للدكتور أحمد خالد توفيق

هناك أخطاء عديدة في الأفلام السينمائية .. عندما تشاهد محاربا في جيش صلاح الدين يلبس ساعة رقمية ، أو ترى إحدى العربات الحربية ذات الخيول تخترق ساحة سيركوس ماكسيموس في فيلم المصارع ، وهي تقذف النـار ودخـان الـعـادم ، أو ذلك الخطأ الشهير في نفس الفيلم عندما ظهر واحد من المصورين وهـو يمشي بثيابه العصرية وسط ميدان القتال ، فبدا يخترق صفوف الجنود الرومان غير مبال بشيء .. عندما ترى هـذا تـدرك ان الدقة مهمة.

في مسلسل مـصـري يـدور أيـام حـرب الاستنزاف ( 1969 ) تـرى الراقصين في ناد ليلي يرقصون الراب على أغاني مايكل جاكسون ، وفي فيلم القاهرة 30 يتكلم الرجل وهو يضغط على قلم جاف زنبركي ، وهـو نـوع لم يكن اخترع وقتها .. الخ .. كل هذا جميل ، ولسوف تكتشف عندما تتصفح شبكة الإنترنت ان الأخطاء كثيرة جدا ومضحكة .

المشكلة هي أن تتبع هذه الأخطاء صار هواية فى حد ذاتها ، وبطريقة تضايق المشاهد فعلا ، في مشهد إنساني ساحر من فيلم ( إنقاذ المجند رايان ) لاحظ أحـد المشاهدين الغربيين أن الأم تنهار بينما حقول القمح نامية .. وهذا لا يمكن أن يحدث في توقيت أحداث الفيلم .

لاحظ مشاهد دقيق آخر أن الصلاة التي يؤديها الغارقون على ظهر التيتانيك لم تكن قد كتبت عندما غرقت السفينة ، وكذا لاحظ آخر أن الفرقة تعزف لحن تمت كتابته بعد غرق السفينة بعشر سنوات .. بعد قليل تشعر بعدم الراحة وبأن هذه الدقة تجاوزت حدها فعلا.

هؤلاء قوم يشاهدون الأفلام للبحث عن أخطاء وليس لمتابعة القصة .

في الماضي كنت تدخل السينما مجبرا على متابعة التجربة ، ولو أردت أن تعيد لقطة ما فعليك أن ترى الفيلم ثانية .. ثم ظهر الفيديو ومعه جـاء تثبيت النقطـة .

على فكرة أكثر اللقطات تثبيثا في تاريخ الأفلام – كما قالت مجلـة امباير البريطانية – هي لقطة الذبابة التي تسللت إلى فم الممثل وهو يصرخ في فيلم ( غزاة تابوت العهد المفقود ) . بعد الفيديو جـاء الـدي في دي .. هكذا تحـول الناس إلى أمة من الذين يعيدون رؤية اللقطـة مـرارا .. وهكـذا عـرف النـاس للمرة الأولى أن أسنان القرش المطاطية في فيلم ( الفك المفترس ) تنثني .. وللمرة الأولى سقطت هيبة الفيلم وقال أحدهم إن مؤثراته الخاصة ضعيفة ومخجلة !

المتعة .. هدم الإيهام .. هذا ما يفعلونه بلا توقف .. إن بعض تدمير التجاهل مفيد .. دعـك مـن أنـني ضعيف الملاحظـة أصـلا .

في فيلم ( دكتـور بارناسوس ) لم ألحظ أن بطل الفيلم نفسه تغير إلا عندما أخبرنـي أصـدقائي بذلك ! أما عن هواة الدقة في عالم الواقع فهم يستحقون عدة مقالات . تحكي عن ثورة أكتوبر في روسيا التي أدت لذبح آل رومانوف ، فيستوقفك أحـدهم : من قال إن آل رومانوف ماتوا بسبب الثورة ؟ .. تقول له : مثلا يا سيدي .. مثلا . لكنه يتوقف عند هذه النقطة فلا تستطيع الاستمرار . هؤلاء الذين تقول لهم صباح الخير فيوقفونك عنـد حـدك .. لا يوجد شيء اسمه صباح الخير وإنمـا هـو نعمت صباحا .. تحكـي عـن بونابرت وطموحه فيؤكدون إن بونابرت لم يكـن طموحا وإنما زوجتـه أوجيني هـي التي كانت ترغمه على ذلك .. الخ .

. الدقة ! .. الدقة شيء مدمر … شيء كالملح .. بعضه يكسب الطعـام مذاقا شهيا لكن الإفراط فيه يجعل الأكل عملية انتحارية ويفسد شهيتك.

وإذا كانت الدقة مطلوبة في تجربة لقيـاس شحنة الالكترون فـهـي غـير مطلوبة بنفس القدر في فيلم عاطفي .

لا أحد يطالـب بـأن يمشي المخرج أمام الكاميرا ويكلم الأبطال ، لكن لا بأس بأن تكون تسريحة شعر البطلة متأخرة عامين أو أكثر عن تاريخ القصة .. ألا ترى هذا معي ؟

من كتاب وساوس وهلاوس.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
error: يمنع النسخ من هذا الموقع